ابن الجوزي

152

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

أحمل طنفسته [ 1 ] ، وقالت الأخرى : أنا أحمل رحله ، وقالت الأخرى : أنا حشيته وأنساعه ، فتقاسمن رحله بينهن ، وبقيت عنيزة ، فقال لها [ امرؤ القيس ] [ 2 ] : يا ابنة الكرام ، لا بدّ أن تحمليني معك فإنّي لا أطيق المشي وليس من عادتي ، فحملته على غارب بعيرها ، فكان يدخل رأسه في خدرها فيقبلها ، فإذا امتنعت مال حدجها [ 3 ] ، فتقول : يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل ، فذلك قوله : تقول وقد مال الغبيط بنا معا عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل فلما فرغ الفرزدق من حديثه قالت إحداهن : اصرف وجهك عنا ساعة ، وهمست إلى صويحباتها [ 4 ] بشيء لم أفهمه ، فانغططن في الماء وخرجن ومع كل واحدة منهن ملء كفها طينا ، قال : فجعلن يتعادين نحوي ويضربن بذلك الطين والحمأة [ 5 ] وجهي وثيابي وملأن عيني ، فوقعت على وجهي مشغولا بعيني وما فيها ، فأخذن ثيابهن وركبن ، وركبت تلك الماجنة بغلتي وتركتني ملقى بأقبح حال ، فغسلت وجهي وثيابي وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي ماشيا وقد وجهن بغلتي إلى بيتي وقلن للرسول : قل له تقول لك أخواتك : طلبت منا ما لم يمكنا ، وقد وجهنا إليك بزوجتك فافعل بها سائر ليلتك ، وهذا كسر درهم يكون لحمامك إذا أصبحت . فكان يقول : ما منيت بمثلهن . قال علماء السير : لقي الفرزدق الحسن عند قبر ، فقال له الحسن : ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : أعددت له شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة . فتوفي الفرزدق في سنة إحدى عشرة ومائة ، وقد قارب المائة . وكانت علته الدبيلة ، فرآه ابنه لبطة في النوم ، فقال له : يا بني نفعتني الكلمة التي راجعت بها الحسن عند القبر . وقال أبو عبيدة : مات الفرزدق سنة عشر وقد نيف على التسعين ، كان منها خمس وسبعون يباري الشعراء فبذّهم ، وما ثبت له غير جرير .

--> [ 1 ] الطنفسة : الوسادة الصغيرة التي تجعل تحت الرجل . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من الأغاني . [ 3 ] الحدج : مركب من مراكب النساء كالهودج . [ 4 ] في الأصل : « إلى صوحاها » . كذا بدون نقط . [ 5 ] الحمأة : الطين الأسود .